مرافعة مام جلال: شهادة للتاريخ ومنهج للنضال الوطني

سوران الداوودي
09:07 - 2025-02-09


 قبل عقدين وفي التاسع من شباط، وقف الرئيس الراحل مام جلال طالباني ليقدم واحدة من أهم المرافعات في التاريخ العراقي المعاصر، ليس فقط لأنها كانت شهادة موثقة للحقائق، بل لأنها مثلت لحظة مفصلية في انتقال النضال من الجبال إلى ساحات القانون، ومن خطاب المقاومة إلى خطاب الدولة.
كانت هذه المرافعة أمام جميع القادة العراقيين و بحضور ممثلي المكونات الدينية والمذهبية والعرقية و على طاولة حوار واحدة، حيث خاطبهم فقيد الأمة مام جلال بلسان العدل والتاريخ، مستندًا إلى الحقائق تاريخية  ليضع أمام الجميع رواية موثقة لا يمكن إنكارها.  لحظة لم تكن مجرد مرافعة كردية، بل كانت عراقية بامتياز، تعكس الروح الحقيقية لشراكة وطنية قائمة على الحقوق والعدالة.
لطالما كان التاريخ العراقي مليئًا بالأحداث التي لم تُكتب كما حدثت، بل غالبًا ما أُعيدت صياغتها وفقًا للمنتصرين أو لمصالح سياسية آنية. لكن مام جلال، في هذا المحفل الوطني، اختار أن يواجه هذه الروايات برؤية تستند إلى الأدلة والوثائق، واضعًا نهجًا جديدًا للاتحاد الوطني الكردستاني وللخطاب الكردي داخل العراق الفدرالي.
لقد أثبتت مرافعته أن النضال لا يقتصر على ساحات القتال، بل يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا عندما يُخاض بأسلوب قانوني يستند إلى الحقائق الدامغة. لم يكن حديثه مجرد خطاب سياسي، بل كان تأسيسًا لمرحلة جديدة كسرت حاجز الخوف والتردد في قول الحقيقة كما هي، دون مواربة أو تجميل.
إن ما فعله مام جلال في ذلك اليوم لم يكن مجرد موقف فردي، بل كان تجسيدًا لرؤية الاتحاد الوطني الكردستاني، التي قامت على الدمج بين الواقعية السياسية والمطالب القومية العادلة. لقد أكد أن الحقوق لا تُنتزع بالشعارات وحدها، بل بالإثباتات القانونية، وهو نهج رسّخه في السياسة الكردية وجعله جزءًا من أسلوب التفاوض مع بغداد.
كما أن هذه المرافعة، رغم كونها كردية في جوهرها، كانت عراقية في مضمونها، لأنها لم تنطلق من مبدأ التقاطع مع الدولة، بل من مبدأ تصحيح المسار داخل الدولة نفسها، والاعتراف بالتعددية كحقيقة لا يمكن إنكارها. وقد جاءت أمام جميع القوى العراقية، بمن فيهم ممثلو الطوائف والمذاهب والأعراق، ما جعلها خطوة غير مسبوقة في تاريخ الحوار الوطني العراقي
اليوم، إذ نستذكر هذه المرافعة، فإننا لا نستذكر فقط خطابًا تاريخيًا، بل نعيد التأكيد على التزامنا بمسيرة مام جلال ونهجه السياسي والوطني. سنواصل الدفاع عن الحقوق بنفس الروح، وبذات الأسلوب الذي جمع بين قوة الموقف ورصانة الحجة، بين التاريخ والوثيقة، وبين السياسة والمبادئ.
سلامٌ على روحك، يا من جعلت الحقيقة أقوى من الخوف، ووضعت الأسس لنضال لا ينهزم، سواء في الجبال أو في قاعات القانون. سنمضي على خطاك، ونحقق أمنياتك الوطنية والقومية.

Copyright © 2020 Kirkuk Tv All Rights Reserved Designed And Developed By AVESTA GROUP