لطالما كانت كركوك رمزًا للتنوع والتعددية، حيث تعايشت فيها مختلف القوميات والأديان على مدى قرون، مشكلة نموذجًا فريدًا للتآخي الاجتماعي والتكامل الثقافي. هذه المدينة، التي تضم الكرد والعرب والتركمان والمسيحيين وغيرهم، كانت ولا تزال تمثل عراقًا مصغرًا، يختزل في طياته قيم التعددية والتعايش السلمي. لكن في السنوات الأخيرة، تحولت كركوك إلى ساحة صراع سياسي، حيث تحاول بعض الأطراف استغلال التركيبة المتنوعة للمدينة لتحقيق أهدافها الضيقة، سواء من خلال إثارة الخلافات القومية والطائفية أو عبر تنفيذ أجندات خارجية تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة.
شهدت كركوك عبر التاريخ محطات عديدة من التحديات، لكنها كانت قادرة على تجاوزها بفضل وعي أهلها وإدراكهم بأن مصيرهم واحد، وأن قوتهم تكمن في وحدتهم. لقد شكل هذا التنوع مصدر ثراء للمدينة، وجعل منها مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا مهمًا. لم تكن كركوك يومًا حكرًا على مكون دون آخر، بل كانت دائمًا بيتًا مشتركًا للجميع، حيث تعايش السكان وتشاركوا في بناء مجتمعهم، رغم المحاولات المتكررة لطمس هذا النسيج المتجانس.
في ظل التغيرات السياسية التي شهدها العراق، باتت كركوك محورًا للصراع بين القوى المختلفة، حيث تسعى بعض الأطراف إلى استغلال بعض صفحات الماضي المؤلمة لزرع بذور الفتنة بين مكوناتها. تعمل هذه القوى على تأجيج الانقسامات لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة، غير آبهة بتداعيات ذلك على السلم الأهلي ومستقبل المدينة.
في المقابل، هناك أطراف أخرى تعمل وفق أجندات خارجية، مستغلة الأوضاع السياسية والأمنية في العراق للبحث عن موطئ قدم لها في كركوك. هذه الجهات لا تسعى إلى تحقيق الاستقرار، بل ترى في الفوضى فرصة لتعزيز نفوذها وإدامة الأزمات، حتى تبقى المدينة في حالة من عدم التوازن تخدم مصالحها الاستراتيجية.
رغم كل هذه التحديات، يبقى التعايش والتآخي بين مكونات كركوك هو السبيل الوحيد لضمان استقرارها ومستقبلها. إن محاولات فرض سياسات الإقصاء أو الهيمنة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الأزمات، ولن تخدم سوى المتربصين الذين يريدون تفكيك النسيج الاجتماعي للمدينة. الحل يكمن في احترام حقوق جميع المكونات، وتعزيز مبدأ الشراكة الحقيقية، بحيث يشعر الجميع بأنهم جزء أساسي من مستقبل كركوك، لا مجرد أطراف متصارعة على النفوذ..
من الضروري أن تتبنى القوى السياسية في كركوك رؤية تعتمد على المصالحة والحوار، وتبتعد عن أساليب التحريض والتجييش التي لا تخدم إلا المصالح الضيقة. يجب أن يكون هناك التزام واضح بحماية حقوق الجميع، والعمل على تعزيز المشاريع التنموية التي تعود بالنفع على كل سكان المدينة، بعيدًا عن سياسات التمييز والإقصاء.
إن مستقبل كركوك لا يمكن أن يُبنى على الصراعات السياسية أو التدخلات الخارجية، بل يعتمد على وعي أبنائها بأهمية الوحدة والعمل المشترك. إن القوى التي تريد زعزعة استقرار المدينة لن تجد طريقًا لتنفيذ مخططاتها إذا وقف أبناء كركوك صفًا واحدًا في وجه محاولات التفريق والتقسيم.
لهذا، تقع المسؤولية على عاتق الجميع—من قادة سياسيين، وشخصيات اجتماعية، ومنظمات المجتمع المدني—للحفاظ على وحدة كركوك وصون هويتها التعددية. يجب أن يكون هناك خطاب سياسي وإعلامي مسؤول، يعزز التفاهم ويرفض التحريض، ويسعى إلى تقريب وجهات النظر بدلًا من تعميق الخلافات.
كركوك نموذج يجب حمايته
لقد أثبتت كركوك عبر التاريخ أنها قادرة على تجاوز المحن، وأنها مدينة لا يمكن أن تُحكم بمنطق الغالب والمغلوب، بل بمنطق التفاهم والشراكة. اليوم، وفي ظل الأوضاع الراهنة، أصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن يدرك الجميع أن الحل في كركوك ليس في الصراع، بل في التعاون والتآخي.
إذا أرادت كركوك أن تبقى رمزًا للتعددية، فعلى جميع مكوناتها أن تتكاتف لحماية هذا النموذج، والوقوف ضد كل من يسعى إلى زعزعة استقرارها والعمل على تمكين ادارتها ومجلسها بالعمل دون اية ضغوظ سياسية . لا يمكن لأي جهة أن تنجح في تقسيم كركوك ما دام أهلها متمسكين بوحدتهم، مدركين أن مستقبلهم واحد، وأن قوتهم تكمن في تآخيهم.
Copyright © 2020 Kirkuk Tv All Rights Reserved Designed And Developed By AVESTA GROUP