في المشهد السياسي العراقي، تكثر الخيارات ولكنها في الوقت ذاته تقل، فكل الطرق تبدو مفتوحة نظريًا لكنها مسدودة عمليًا بفعل التعقيدات الداخلية والتدخلات الخارجية. يقف العراق اليوم على أرضية هشّة تتغير معالمها باستمرار نتيجة اختلاف الأولويات بين القوى السياسية، سواء كانت رسمية أم غير رسمية، حزبية أم غير حزبية، وحتى على مستوى الفصائل والمكونات.
انقسامات الداخل: الأولويات المتضاربة
تختلف أولويات القوى السياسية العراقية وفقًا لخلفياتها المذهبية والقومية والمناطقية. فالشيعة، وهم القوة السياسية الأبرز، ينصبّ اهتمامهم على ترسيخ السلطة وتقليل الضغط الخارجي وفق معايير تتناسب مع نفوذهم السياسي. بينما ينشغل الكرد بمسائل الموازنة وتأمين رواتب الموظفين، إلى جانب قانون النفط والغاز، وضمان استمرار تصدير النفط بشروطهم. أما السنّة، فتتركز أولوياتهم على الحفاظ على المكتسبات التي حصلوا عليها بعد سنوات من التهميش، في ظل نظام المحاصصة الذي فرض توازنات دقيقة بينهم وبين بقية المكونات..
لا تتوقف التناقضات عند حدود الطوائف والقوميات، بل تمتد إلى داخل المكون الواحد. فالموقف الكردي لم يعد موحدًا بين الأحزاب السياسية الرئيسة، كما أن التركمان والآشوريين يشهدون انقسامات في الرؤى والمواقف. وحتى داخل البيت الشيعي والسني، هناك صراعات داخلية بين الفصائل المختلفة، مما يعمّق أزمة الانسجام الوطني.
اللاعب الخارجي: التنظيم الأقوى في العراق
وسط هذه التناقضات الداخلية، يظهر اللاعب الخارجي باعتباره القوة الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا. القوى الإقليمية والدولية لا تراقب العراق فقط، بل تعمل على إدارة هذه الانقسامات بما يخدم استراتيجياتها. لا توجد قوة سياسية عراقية مؤثرة اليوم دون أن تكون على صلة وثيقة بإحدى هذه الجهات الخارجية، ما يجعل القرار العراقي مشلولًا إلى حد كبير أمام الإرادات الدولية.
لقد نجح اللاعب الخارجي في توظيف الانقسامات العراقية لصالحه، فتارة يستخدم النفوذ الاقتصادي، وتارة أخرى يوظف الفصائل المسلحة، أو يستثمر في العلاقات السياسية لتشكيل الحكومات وفق أجنداته. ومع غياب مشروع وطني موحد، أصبح الداخل العراقي مرتهنًا بالتحولات الإقليمية والدولية، مما يجعل أي تغيير حقيقي في العراق مرهونًا بتغير في المشهد الإقليمي ككل.
هل يمكن كسر المعادلة؟
التغيير في العراق لم يعد مسألة داخلية بحتة، بل تحول إلى قضية إقليمية مرتبطة بصراعات النفوذ بين القوى الكبرى. ومع أن الحديث عن “زلزال سياسي واجتماعي” أصبح ضروريًا، إلا أن تحقيقه يبدو صعبًا في ظل ضعف الإرادة الوطنية. فالتنظيمات الداخلية رتّبت نفسها وفق المصالح الخارجية، وليس وفق منطق الدولة الوطنية التي تعمل من أجل مواطنيها.
العراق يعيش اليوم نموذجًا سياسيًا فريدًا في تعقيداته، حيث لا توجد قوة داخلية قادرة على إحداث تغيير جذري دون دعم خارجي، وفي الوقت ذاته، لا يبدو أن هذا الدعم متاح إلا وفق شروط تعيد إنتاج الأزمات بدلًا من حلها. أمام هذا الواقع، يبقى التساؤل مفتوحًا: هل يمكن للعراق أن يخرج من هذه الحلقة المفرغة، أم أن مستقبله سيظل مرهونًا بمصالح الآخرين؟
Copyright © 2020 Kirkuk Tv All Rights Reserved Designed And Developed By AVESTA GROUP