يشهد العالم تحولاً جوهرياً في طبيعة الصراعات وآليات إدارتها، حيث لم تعد المواجهات تعتمد على القوة التقليدية وحدها، بل أصبحت العقول والأنظمة الذكية تلعب دوراً محورياً في تحديد مسارات النزاعات والسياسات. في هذا السياق، تأتي قراءة رسالة عبدالله أوجلان كإشارة إلى وعي عميق بالتحولات التي يشهدها النظام العالمي، خاصة فيما يتعلق بتأثير الذكاء الاصطناعي في إعادة تعريف مفاهيم القوة والسلطة والصراع.
الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل تحول إلى عقل موجه يتحكم في اتخاذ القرارات وتحليل البيانات، مما أدى إلى تغييرات جذرية في طريقة فهم السياسة، الاقتصاد، والعلاقات الدولية. في السابق، كانت الأحزاب والحركات السياسية تعتمد على المواجهة المباشرة، سواء من خلال القوة العسكرية أو الخطاب الثوري، لكن اليوم، أصبح من الواضح أن هذه الأدوات لم تعد تملك نفس التأثير الذي كانت عليه في عصور سابقة. فالتغيرات في بنية السلطة لم تعد تمنح مكانة للصراعات المسلحة، بل أصبحت تحدد الفاعلين بناءً على قدرتهم على التعامل مع الأنظمة الجديدة التي يديرها الذكاء الاصطناعي، والتحكم في الموارد والمعلومات بدلاً من السيطرة على الأرض بالسلاح.
في هذا السياق، يبدو أن رسالة أوجلان تنطوي على إدراك حقيقي لهذا التحول، حيث إن فكرة ترك السلاح لا تأتي كخيار تكتيكي فقط، بل كاستجابة حتمية لمنطق العصر الجديد. الذكاء الاصطناعي لم يلغِ الصراعات، لكنه أعاد تعريف أدواتها، فأصبح التأثير يعتمد على القدرة على التكيف مع الآليات الرقمية، استثمار البيانات، واستغلال الفرص الاقتصادية بدلاً من المواجهات المباشرة التي لم تعد تضمن البقاء أو التأثير في عالم محكوم بالخوارزميات وأنظمة التعلم الآلي.
هذا التحول يفرض على الفاعلين التقليديين في السياسة والحركات الاجتماعية إعادة النظر في طرق عملهم، حيث لم تعد البطولة ترتبط بالقدرة على القتال، بل بمدى القدرة على التواجد داخل الأنظمة الجديدة وتوجيهها بوعي استراتيجي. لم يعد من الممكن خوض الصراعات بذات الأدوات التي كانت صالحة لعصر ما قبل العولمة الرقمية، فاليوم يتم إعادة تشكيل المفاهيم التي كانت تعتبر من البديهيات أو حتى من المحرمات، إذ لم تعد القضايا تُحسم بالمواجهات الصريحة، بل بقدرة الفاعلين على إدارة الفرص ضمن البنية العالمية الجديدة التي تحركها الأنظمة الذكية.
ما يمكن استخلاصه من رسالة أوجلان هو أن العالم يتجه نحو نوع جديد من الصراعات، حيث لم تعد القوة الفيزيائية هي العنصر الحاسم، بل أصبحت القدرة على التكيف مع الواقع الجديد هي مفتاح البقاء والتأثير. الاقتصاد، الإعلام الرقمي، الخوارزميات، والذكاء الاصطناعي كلها أصبحت الأدوات الحقيقية للهيمنة أو المقاومة، وهو ما يعني أن من لا يستطيع فهم هذه التغيرات والبقاء ضمن دائرة القوة التقليدية، سيفقد مكانه في التاريخ القادم.
التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الحفاظ على الوسائل القديمة، بل في فهم آليات العولمة الرقمية والاقتصادية والدخول إلى النظام الجديد بعقلية قادرة على التعامل مع الممكنات المتاحة. هذه ليست مجرد تحولات في الوسائل، بل هي قطيعة حقيقية مع النظام القديم للصراعات، مما يفرض على الجميع إعادة النظر في استراتيجياتهم. إذا كانت المواجهات المسلحة قادرة في السابق على رسم مسارات التاريخ، فإن اليوم من يملك البيانات، الذكاء الاصطناعي، والتحكم في التدفقات المعلوماتية هو من يملك زمام المبادرة.
في عصر الثورة الرقمية تدار الصراعات الديبلوماسية والعسكرية کافە في فضاء الانترنيت، واصبح القتال و ادارة العلاقات الديبلوماسية عن طريق التقنيات وليس المهارات الانسانية والشجاعة والبطولات
بهذا المعنى، فإن ترك السلاح ليس مجرد تنازل، بل هو ثمن الدخول إلى عصر جديد حيث النفوذ لا يُقاس بالقوة المباشرة، بل بالقدرة على التكيف مع المنهج الجديد في إدارة الصراعات. هذا هو الدرس الأساسي الذي يمكن استخلاصه من رسالة أوجلان، وهو ما ينبغي أن يكون نقطة انطلاق لإعادة التفكير في طبيعة الصراعات في القرن الحادي والعشرين.
Copyright © 2020 Kirkuk Tv All Rights Reserved Designed And Developed By AVESTA GROUP