تُعد قلعة كركوك واحدة من أبرز المعالم الأثرية في العراق والمنطقة، وتمتاز بخصوصية فريدة تميزها عن معظم المواقع التاريخية الأخرى. فهذه القلعة ليست مجرد مبنى قديم أو حصن أثري، بل تمثل طبقات متراكمة من الحضارات والتاريخ، حيث أن كل طبقة من طبقاتها تعود إلى حقبة زمنية مختلفة، وتشهد على مرور شعوب وثقافات متعددة عبر آلاف السنين.
تشير الدراسات الأثرية إلى أن قلعة كركوك بُنيت على مراحل، بدءًا من العصر الآشوري، مرورًا بالعهود الإخمينية والسلوقية والساسانية، ثم الإسلامية بمختلف دولها، لتصل إلى العصر العثماني. وقد ساهم هذا التراكم التاريخي في جعل القلعة موقعًا غنيًا بالأسرار الأثرية التي ما زال الكثير منها مدفونًا تحت الأرض، في انتظار التنقيب العلمي المنهجي.
ولهذا السبب تحديدًا، من الخطأ الكبير التعامل مع قلعة كركوك كمكان ترفيهي تقليدي عبر إنشاء حدائق أو متنزهات على سطحها، إذ إن أعمال الزراعة وسقي المزروعات بالماء تؤدي إلى تسرب الرطوبة إلى الطبقات السفلى، مما يُسرّع من تآكل الأساسات التاريخية وتلف الآثار المدفونة. إن الماء هو العدو الخفي للآثار المدفونة، وقد أثبتت التجارب السابقة في مواقع أثرية مشابهة أن الرطوبة تتسبب بانهيار الجدران القديمة وتشقق البُنى الداخلية، وخاصة إذا لم تكن هناك أنظمة تصريف دقيقة ومدروسة.
إن ترميم قلعة كركوك وتحويلها إلى مَعلم سياحي حقيقي لا يتطلب تزيينها بالعشب الأخضر أو الأشجار، بل يتطلب خطة علمية شاملة تستند إلى رؤية تراثية ومهنية تشرف عليها فرق من خبراء الآثار والهندسة المعمارية التاريخية. يمكن تحقيق ذلك من خلال:
1.إجراء مسح أثري شامل لكل طبقات القلعة وتوثيقها قبل أي تدخل عمراني.
2.اعتماد تقنيات الترميم المعتمدة عالميًا، باستخدام المواد التقليدية المتوافقة مع طبيعة البناء الأصلي.
3.تطوير القلعة كفضاء ثقافي مفتوح يضم متحفًا داخليًا، ومركزًا لعرض التاريخ التفاعلي للمنطقة.
4.تخصيص ممرات ومواقع للمشاهدة دون التأثير على التربة أو طبقات الآثار.
5.منع البناء الحديث قرب القلعة، وإصدار قرار رسمي بمنع إنشاء أي عمارة تحجب القلعة من أي جهة من الجهات الأربع، حفاظًا على جمالية المشهد البصري والتاريخي لها.
6.وضع القلعة تحت الحماية القانونية باعتبارها إرثًا وطنيًا وإنسانيًا يجب ألا يخضع للاجتهادات غير العلمية.
كما أن من المهم إشراك المجتمع المحلي في عملية إحياء القلعة، من خلال الفعاليات الثقافية، والبرامج التوعوية التي تشرح أهمية الموقع وضرورة حمايته للأجيال القادمة. ومن المفيد أيضًا التعاون مع منظمات دولية مختصة كاليونسكو، لوضع القلعة على قائمة التراث العالمي إن أمكن، وهو ما يعزز فرص التمويل والدعم الفني الدولي.
في الختام، فإن قلعة كركوك ليست ملكًا لجيلٍ واحد، بل هي ملك لكل العراقيين ولكل البشرية، بوصفها شاهدًا حيًا على تعاقب الحضارات. لذا، فإن الحفاظ عليها لا يكون بالشكل الجمالي السطحي، بل بالعمق العلمي والتاريخي الذي يليق بمكانتها.
Copyright © 2020 Kirkuk Tv All Rights Reserved Designed And Developed By AVESTA GROUP