مسرح الشارع مسرح بلا قيود..

لهیب خلیل
16:37 - 2023-11-20

لقد تم الاعتراف بمسرح الشارع عالميا منذ فترة طويلة كأداة قوية للتغيير الاجتماعي والسياسي ولعب دورًا مهمًا في تعبئة الجماهير عبر التاريخ من خلال الجمع بين عناصر المسرح والمشاركة العامة وصار يتمتع مسرح الشارع بقدرة فريدة على جذب الجماهير وتحدي الأعراف الاجتماعية وإلهام العمل الجماعي والتعاون ..
مسرح الشارع عرض تأريخي.
يمكن إرجاع أصول مسرح الشارع إلى الحضارات القديمة مثل اليونان القديمة وروما. وفي هذه المجتمعات، كان المسرح جزءًا لا يتجزأ من المهرجانات الدينية والاحتفالات العامة. أقيمت العروض في مساحات مفتوحة، مما سمح لجمهور كبير بالتجمع ومشاهدة العرض. غالبًا ما كانت هذه الأشكال المبكرة من مسرح الشارع تتضمن الموسيقى والرقص وسرد القصص لنقل الرسائل الأخلاقية والسياسية.
خلال العصور الوسطى، اتخذ مسرح الشارع شكلاً جديدًا مع ظهور مسرحيات غريبة عن ثقافة ذلك الوقت، تصور تلك العروض التي نظمتها الكنيسة غالبًا، قصصًا من الكتاب المقدس ودروسًا أخلاقية. تم تقديمها في الشوارع والأسواق، وجذبت جمهورًا متنوعًا. وكانت المسرحيات وسيلة لتثقيف الجماهير الأمية حول التعاليم الدينية وتعزيز دور الكنيسة.
 اما في عصر النهضة والكوميديا الفنية شهدت عودة مسرح الشارع، خاصة في إيطاليا وأصبحت ما يسمى الكوميديا ديلارتي وهي شكل من أشكال المسرح المرتجل وامست فنا شائعًا في القرن السادس عشر. حيث تسافر الفرق من مدينة إلى أخرى، لتسلية الحشود برسوماتهم الكوميدية وشخصياتهم الأصلية وغالبًا ما كانت هذه العروض تسخر من القضايا الاجتماعية والسياسية، وتوفر منصة للتعليق الاجتماعي.
خلال عصر التنوير، أصبح مسرح الشارع أداة قوية للسخرية والنقد السياسي ففي فرنسا، استخدمت فرقة مسرح "الغضب" عروضها للتنديد بالنظام الملكي والدعوة إلى العدالة الاجتماعية وكانت مسرحياتهم التي قدمت في الساحات العامة، تسخر من الطبقة الحاكمة وتدعو إلى الثورة وأصبح مسرح الشارع وسيلة للمحرومين للتعبير عن مظالمهم وتحدي الوضع المزري لحياتهم.
مسرح الشارع في القرن العشرين..
شهد القرن العشرين عودة مسرح الشارع كشكل من أشكال الاحتجاج والنشاط الاجتماعي. في أوائل القرن العشرين، تبنت الحركة الطليعية الروسية مسرح الشارع كوسيلة لتحدي التقاليد المسرحية والتفاعل مع الجماهير. قام فنانون مثل مايرهولد وسيرجي آيزنشتاين الروسيان بتجربة العروض الخارجية، والتي تضمنت عناصر جسدية صامة ومشاهد مسرحية قصيرة. ساعد مسرح الشارع حركة الحقوق المدنية في كثير من البلدان. حيث لعب مسرح الشارع دورًا مهمًا في حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة واروبا خلال الخمسينيات والستينيات واستخدم النشطاء العروض لزيادة الوعي حول عدم المساواة العرقية والدعوة إلى المساواة في الحقوق وقامت مجموعة تطلق على نفسها ركاب الحرية وهي مجموعة من نشطاء الحقوق المدنية، بتنظيم عروض مسرحية في الشوارع للفت الانتباه إلى الفصل المجحف والتمييز ولم تقم هذه العروض بتثقيف الجمهور فحسب، بل ألهمت الأفراد أيضًا للانضمام إلى الحركة. كما كان لمسرح الشارع في الحركات العالمية دورا وسمة بارزة لمختلف الحركات العالمية عبر التاريخ. في الحركة المناهضة للفصل العنصري في جنوب أفريقيا، استخدمت الفرق المسرحية مثل "مسرح السوق" العروض لتحدي النظام القمعي وتعزيز التغيير الاجتماعي. وبالمثل، في أمريكا اللاتينية، أصبح مسرح الشارع أداة قوية للمقاومة ضد الأنظمة الاستبدادية، حيث تستخدم مجموعات مثل "مسرح الأنديز" العروض المسرحية لتسليط الضوء على القضايا الاجتماعية والسياسية ومناهضة العنف والديكتاتورية .
في السنوات الأخيرة، استمر مسرح الشارع في التطور والتكيف مع المشهد الاجتماعي والسياسي المتغير لكل المجتمعات وتبنى الفنانون والناشطون تقنيات جديدة وتقنيات مبتكرة لإشراك الجماهير وتعبئة المجتمعات فأصبحت تشتمل عروض مسرح الشارع الآن على عناصر ووسائط متعددة وتركيبات وتقنيات جديدة ونتاجات خاصة بالموقع لخلق تجارب جديدة ممتعة وفعالة من اجل قضايا الانسان.
أخيرا ..
إن تاريخ مسرح الشارع هو شهادة على قوته الدائمة كشكل من أشكال التعبير الفني والتعبئة الاجتماعية. من أصوله القديمة إلى دوره في الحركات المعاصرة حيث ظل مسرح الشارع يوفر باستمرار منصة للأصوات الفقيرة والمهمشة ووسيلة لتحدي الأنظمة القمعية من خلال جذب الجماهير وإثارة الفكر لكونه حافزًا للتغيير الاجتماعي وأداة حيوية للتغير نحو العدالة الاجتماعية وحرية حقيقية.

Copyright © 2020 Kirkuk Tv All Rights Reserved Designed And Developed By AVESTA GROUP